عندما انتقلت إلى دهب أكثر شئ جذب انتباهي هو حياة الأجانب، ليس لشئ سوى لأنني الآن أرى الأجانب الذين سمعت عنهم الكثير لكنني لم أقابلهم، لقد سنحت الفرصة أخيرًا للتأكد من مدى صحة أو خطأ ما سمعت، وأيضًا، مقارنة حياتي بحياتهم.

أنا مشغول دائمًا بفكرة المقارنة، أحب مقارنة المواقف والأشخاص والأحوال وكل شئ، ولذلك فكرة مقارنة الواقع بما في رأسي عن الأجانب لم تكن وليدة اللحظة، ولا شيئًا جديدًا على شخصيتي.

كان المجتمع الكوري من أول المجتمعات التي حدث بيني وبينها احتكاك،وهو أيضًا المجتمع الذي تعاملت معه لفترات طويلة نظرًا لطبيعة عملي في مكان كان يتعامل مع هذه الجنسية بشكل أساسي، والحقيقة هم من أحب الجنسيات وأقربها إلى قلبي لأنني اختلطت بهم وحدثت صداقات بيننا وعرفتهم عن قرب، لقد وجدت فيهم طيبة غير عادية واحترام للآخر، و كانت قلوبهم صافية لا تحمل بغضًا لأحد.

تعاملت أيضًا مع الكثير من الأوروبيين و وجدتهم أكثر جرأة و خبرة بالحياة من الكوريين، لا أدري ما السبب وراء ذلك، ولكن في اعتقادي أن الأوروبيين أكثر انفتاحًا من الكوريين، بمعنى أنه ليس لديهم مشكلة في التعامل مع أي شخص، أو الخروج والاختلاط والتعرف على أناس جدد على عكس الكوريين الذين كانوا منغلقين على أنفسهم، ويقضون معظم الوقت مع كوريين آخرين، يعيشون سويًا في نفس البيوت، ويزورون نفس الأماكن، ويمارسون نفس الأنشطة، أما الأوروبيون على عكس ذلك تمامًا منفتحون على الجميع، لذلك، ربما تأتي جرأتهم وخبرتهم في الحياة من هذا الانفتاح. أنا هنا أتحدث عن الذين قابلتهم ولا أتحدث بشكل عام.

أيضًا، عندما كنت أعمل كمدرب غوص، أكثر ما أعجبني في الأوروبيين الذين قابلتهم هو الوضوح، والالتزام بالمواعيد، وعدم مخالفة نظام اليوم المتفق عليه، والحقيقة كانت قدرتهم على الاستيعاب مُدهشة، لم أجد أي صعوبة في العمل معهم.

وعلى الرغم من اختلاف الجنسيات واختلاف الأشخاص والصفات، كان هناك شئ مشترك بينهم وهو السعادة، كانوا جميعًا سعداء، ربما لأنهم في أجازة، وطبيعي أن يكونوا سعداء، لكن، هناك أسباب أخرى، حاولت البحث عن هذه الأسباب.

ما جذب انتباهي وشغل عقلي طويلاً هو العلاقة بين الجنسين، في حالات كثيرة كنت أقابل شابًا و فتاة قد جاءا سويًا، وهم في رحلة طويلة حول العالم، أو رحلة قصيرة لمصر. يعيشان سويا مثل الأزواج ولكنهم ليسوا أزواج أي لا يوجد بينهم عقد، و لكن، جميع من حولهم يعرف أنهم سوياً، عائلاتهم و أصدقائهم يعلمون ذلك، فهي ليست علاقة سرية ولا مخفية عن أحد.

كانت المرة الأولى التي أتعرض فيها لمثل هذا النوع من العلاقات، كان الزواج هو المفهوم الوحيد للعلاقات بالنسبة لي،كانت منظومة الزواج التي يتبناها المجتمع هي مفهومي عن العلاقات، لكنني وجدت منظومة أخرى غريبة بالنسبة لي، لم أستوعب الأمر في البداية، كيف يمكن لذلك أن يحدث؟ لا أعرف. كيف يكون ذلك الأمر مقبول اجتماعيًا بالنسبة لهم؟ لا أعرف.

الحقيقة كان عندي خوف من هذا الأمر، لم أكن أدري أن الأفكار الجديدة مخيفة ولها رهبة، هناك رهبة للأفكار عندما تتعرض لها للمرة الأولى، يكون الأمر أشبه باصطدام جسم سريع برأسك.

جميع أجزاء جسمك تتأثر بالفكرة الجديدة التي تعرضت لها للتو، وأنا هنا أتحدث عن التعرض للفكرة وليس السماع عن الفكرة لأن الأمر مختلف تمامًا. كنت خائفًا ومضطربًا، لا أعرف سبب ذلك حتى الآن.

من الخارج، عندما نظرت إلى الفرق بين هذا النوع من العلاقات وبين الزواج عندنا وجدت أن الفرق الظاهر هو فكرة العقد. لأن في الحالتين فكرة الإشهار موجودة، أي أن الجميع يعرف أن الإثنان معًا، لكن ما يزيد عندنا هو العقد.

لم أستطع منع نفسي من المقارنة على الرغم من معرفتي أن المقارنة لن تكون عادلة، لأنني كنت أرى اثنين سعداء يجوبان العالم سويًا بكل حرية، وبدون أي تعقيدات ولا عوائق، وفي المقابل، عندنا تعقيدات وعوائق يضعها المجتمع أمام المقبلين على الزواج، أرى مشكلات لا تنتهي بين المتزوجين لا تخلو منها محاكم الأسرة ، أرى الأزواج الذين يعيشون سويا مثل المُطلقين، أرى حالة غريبة من البؤس والحزن.

أعرف أن لكي تكون المقارنة عادلة لابد من رؤية المشهد بشكل كامل، ومعرفة أثر هذا النوع من العلاقات على مجتمعاتهم، وأيضا أحتاج إلى رؤية حياتهم داخل مجتمعاتهم، هل سأجد نفس السعادة؟ لا أعلم.

لذلك، ليست هذه مقارنة لترجيح كافة على الأخرى، أنا أتحدث هنا عما دار في رأسي بناءًا على المواقف التي قابلتها،أعلم أن الأمر أعقد بكثير من مجرد مقارنة بناءًا على بعض المواقف لكن الأمر يستحق الدراسة.

أخيرًا، الشئ الوحيد المؤكد بالنسبة لي، هو أهمية وجود علاقة صحية بيني وبين شريكة حياتي،فأنا متأكد أن لهذه العلاقة أثر شديد الإيجابية على استقراري النفسي والجسدي وهي بالتأكيد أحد مسببات السعادة.