ترددت كثيرًا في الكتابة عن تجربتي في دهب لأسباب عديدة أهمها أن المدينة تتغير، لم تعد المكان الذي زرته منذ خمسة أعوام وتعلقت به وقررت أن أنقل حياتي إليه. أعلم أن خمسة أعوام ليست فترة كبيرة، لكن على الرغم من قصر هذه المدة فقد حدث خلالها تغير كبير.

أصبحت مشاعري تجاه دهب مختلطة ، فجزء مني لا يزال يحب المكان الذي احتواني وكان الملاذ الآمن لي في فترة كانت هي الأسوأ في حياتي،المكان الذي كان له الأثر البالغ في تغيير شخصيتي وتطورها،المكان الذي كان السبب في تغير طريقة تفكيري إلى الأفضل، حيث تعلمت كيف أتقبل الآخر وعرفت بالتجربة أنني لا أعيش في هذا العالم وحدي، تعلمت أن هناك أُناسًا آخرون لهم أفكار، ومعتقدات، وديانات مختلفة، يعيشون معي على نفس الكوكب، هؤلاء الناس ليسوا شياطين ويمكن أن أتعايش معهم بكل سلام ويمكن أن نكون أصدقاء دون أن يحكم أحدنا على الآخر.

في دهب بدأت من جديد في تكوين صداقات أصبحت هي الأقرب إلى قلبي، بعد أن توقفت عن تكوين أي صداقات أو حتى التعامل مع البشر لما يقرب من سبع سنوات.

هنا قابلت هند، صديقتي، و زوجتي وشريكة حياتي، التي لها الفضل في السعادة التي غمرت حياتي بعدما التقينا.

في المقابل، لدي مشاعر سلبية تجاه دهب بعد التغيرات التي تحدث حاليًا،هذه التغيرات ليست فقط في شكل المكان ولكن في روح المكان التي تغيرت هي الأخرى،لن أكتب الكثير في هذه النقطة الآن، وربما لن أكتب عنها مطلقًا وسأكتفي بهذا السطر للتعبير فقط عن استيائي مما يحدث.

بسبب هذه المشاعر المختلطة ترددت في الكتابة، ولا يوجد لدي أي سبب واضح لزوال هذا التردد سوى أنني أريد توثيق التجربة.

إذا أردت الكتابة عن دهب سأجد العديد من المواضيع الشيقة التي يمكنني كتابتها من خلال تجربتي في العيش هنا لمدة خمسة أعوام تقريبًا.

لدي مواضيع تتعلق برياضة الغوص حيث عملت في هذا المجال لأكثر من ثلاثة أعوام، أو مواضيع عن الحياة بشكل عام في دهب،أو عن الأصدقاء والمواقف، وأيضًا عن التنوع الثقافي الموجود هنا و الذي كان له بالغ الأثر في تغير شخصيتي.

إن الحياة في بلد ساحلي مثل دهب تعد تجربة مميزة، ليس فقط بسبب الطبيعة والهدوء الذي يحظى بهما المكان، ولكن أيضًا بسبب التنوع الثقافي الموجود هنا. تجربة مختلفة بالنسبة لي أن أعيش في مكان عبارة عن محطة للعابرين، يأتي إليه الناس من كل صوب وحدب.

تأثرت كثيرًا بالتنوع الثقافي وخصوصًا على المستوى العقلي وذلك لتعرضي لأفكار ومفاهيم جديدة لم أتعرض لها من قبل، قبل أن آتي إلى هنا، كانت كل أفكاري أُحادية المصدر، لكن عند انتقالي لدهب وجدت طوفان من الأفكار التي لم أستطع أن أستوعبها في وقتها. لا أُنكر أن الأمر كان مربكًا في البداية وخصوصًا لعدم خبرتي الكافية للتعامل في مثل هذه البيئة،لكن، في النهاية تعلمت واستطعت التأقلم.

الانتقال من مجتمع منغلق تمامًا لآخر منفتح بشكل كامل لم تكن تجربة سهلة على الإطلاق، ولم أستطع التنبؤ بأثرها وحتى لم أتوقعها، وذلك لعدم احتكاكي بمثل هذه البيئة من قبل، أنا حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها تلك الكلمات مازلت أحاول فهم التجربة ولا أزعم أنني فهمتها بشكل كامل.

قبل انتقالي لدهب كانت أفكاري عن الدين، والجنس، والانتماء وغيرها من الأفكار المتعلقة بالحياة بشكل عام، كنت أراها من منظور المجتمع الذي عشت فيه، كنت أعرف أن هناك أفكار أخرى، ولكن ما قيل لي وقتها أنها أفكار باطلة ومعتقدات فاسدة وكنت مؤمن بذلك لفترة، و لكن عندما تتعامل مع الأشخاص فإن الأمور تختلف كثيرًا.

التعامل مع الفكرة المجردة شئ مختلف تمامًا عن الاحتكاك بصاحب الفكرة وفهم وجهة نظره، والأهم هو فهم الفكرة بشكلها الصحيح من صاحبها، والتي وجدتها في كثير من الأحيان مختلفة تمامًا عما نُقل إلي.

الموضوع بالنسبة لي كان أعقد بكثير من مجرد تصنيف الشخص في خانة معينة من خلال تصنيفي لأفكاره، فهذا الشخص له تجربته أيضًا ويرى العالم من منظور مجتمعه أو من خلال تلك التجربة التي من المنطقي أن تقوده للأفكار التي يؤمن بها.

هو أيضًا، له وجهة نظر في أفكاري ومعتقداتي، وربما يراني بصورة غير صحيحة كما فعلت أنا الآخر.

هذه التعقيدات والمعلومات المغلوطة التي اكتشفتها دفعتني للتفكير والتروي في الحكم على الأفكار والمعتقدات وأيضًا المجتمعات التي لم أتعرض لها من قبل.

تعلمت أن سماع الفكرة أو قراءتها مختلف تمامًا عن معايشة صاحبها، وأصبح لدي القدرة على تقبل الأفكار المختلفة حتى وإن كنت غير مقتنع بها.

والأهم بالنسبة لي هو أنني تعلمت الشك في كل ما أؤمن به وما أعتقده، هذا الشك الذي أصبح يدفعني بشكل مستمر للبحث والمعرفة والتعلم وعدم الجمود.

سأكتفي بهذا القدر في المقالة الأولى منعًا للإطالة.